عفيف الدين التلمساني
43
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : كن بيني وبين ما بدا ويبدو ولا تجعل بيني وبينك بدوا ولا إبداء ) . قلت : معناه توجه إلي خاليا عن ذكر ما بدا وما يبدو واله عن الإبداء جملة كافية وهذا حال من صفى وقته ، ولم يبق فيه بقية لغيره ويوشك مثل هذا أن يصطلم فيفنى . قوله : ( وقال لي : الإخبار الذي أنت فيه عموم ) . قلت : معناه أنك إن أخبرت عنك أو أخبرت عنه تعالى لأنك عند نفسك أنك تخبر عنه ، فهو مقام عامي ، فإنك إن أخبرت عنه وأنت تحس بأنانيتك أو تراها منك فهو عموم فضلا عن أن تخبر عن نفسك . قوله : ( وقال لي : أنت معنى الكون كله ) . قلت : هذا التنزل عظيم المقام ، قائم الإجلال والإعظام ، محيط برتب الكمال ، قطب لدائرة تنزلات الجلال والجمال والكمال ، المتمكن في محيط غير متناهي التمني فيما لا انتهاء له من الأواخر ، ولا ابتداء له من الأوائل . ولنشرح من معناه نبذة نزرة ، ونبذر في أرض إطلاقه بذرة فنقول إنه قد يقول قائل كيف يكون هذا العبد المشار إليه هو معنى الكون كله وهل ذلك خاص به أم هو لكل من قطع المراتب ، فالجواب أنه حاصل لهذا العبد المخصوص ولكل من هو في معناه ، وللأناس على العموم لكل منهم نصيب منه من كونه إنسانا على قدر مرتبته ، وبيان ذلك أن نذكر أولا علائم تدل على صحة ذلك . فمنها أنه يخبر عن معاني الكون كله ، ولو لم يجدها عنده لم يشعر بها ، ولا بالإخبار عنها ، وليس في الكون من يخبر عنه ، وأنت تجد ذلك فيما أخبر به هذا النوع الإنساني من معاني العقل الأول فما دونه من النفوس ، والعقول ، والأرواح ، والأجسام ، والمولدات من المعادن والنبات والحيوان المختلف الصفات ، ومن خواص الموجودات ومنافعها ومضارها ، واختلاف أمزجتها ، وهيآتها ، ووصف نفسه وشهد باريه ، ومصوره ، وهو مكون الأكوان ، فكيف يعجز عما دونه من مختلف الكيان ، وكل ذلك يجده في نفسه ، ولولا وجدانه أنه لم يتطبع في حسه . ومن المعلوم بين هذه الطائفة الذين لا يشكون فيه قولهم : « إنك لا تعلم الشيء إلا بما فيه منك » وقال بعضهم : « فيك منه » .